السيد محمدحسين الطباطبائي

335

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

أقول : والوجه في هذه الأحاديث وأشباهها الواردة في الآداب ظاهر ، فهي أمور تقرّب العبد من حقيقة الدعاء ، وقد عرفت ما هو حقيقته من مطاوي ما تقدّم ، وهي إعلام الداعي وجه حاجته للمدعوّ ، وإذا كان اللّه سبحانه عالما بحقائق الاحتياجات - غير ممكن في حقّه الإعلام المستلزم للجهل السابق - فالدعاء له قيام الممكن في مقام الحاجة إلى رحمته الواسعة . وبذلك ظهر : أنّ الدعاء يعمّ الواقعيّات التكوينيّة وغيرها ، وكذلك الإجابة ، فكلّ اقتضاء ذاتي للممكن دعاء ، وكلّ إفاضة من الحقّ سبحانه إجابة ، كما يشير إليه قوله : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » وقوله تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ . « 2 » وبذلك يظهر : أنّ العبادة - وهي كما عرفت قيام المملوك أمام مالكه في مقام المملوكيّة - دعاء ، كما يشير إليه قوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ « 3 » وقوله سبحانه : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 4 » إذا ضمّ إلى قوله : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ . « 5 » وقد ظهر بذلك أيضا : أنّ الدعاء والعبادة متلازمان من حيث الصدق ، وقد مرّت إليه إشارة . هذا جملة القول في الدعاء ، والروايات في المضامين السابقة كثيرة إلى الغاية ، وقد أوردنا من كلّ باب انموذجه ، واللّه الهادي .

--> ( 1 ) . الرحمن ( 55 ) : 29 . ( 2 ) . إبراهيم ( 14 ) : 34 . ( 3 ) . غافر ( 40 ) : 60 . ( 4 ) . الذاريات ( 51 ) : 56 . ( 5 ) . الفرقان ( 25 ) : 77 .